القاضي عبد الجبار الهمذاني
98
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قالوا : إن ورود النهى ينقض ما تقدم ، فإنما يمكنهم ذلك بأن يزعموا أن الأمر المتقدّم لا يجوز أن يكون مخصصا بوقت ؛ وهذا يبطل تعلقه بالغاية . فإن قالوا : إنما نسوّى بين النسخ والبداء ، من حيث ثبت عندنا في الأمر المتقدّم أنه يقتضي التعبد على الدوام ، فإذا ورد النهى فقد صار نهيا عن نفس ما الأمر أمر به ، فدل على البداء . قيل له : أليس على هذا القول قد سلمت أن النهى إذا تناول غير عين ما تناوله الأمر لم يدل على البداء ، فلا بدّ من نعم . فيقال له : فإذا كنت تعلم بعقلك أن النهى يرد بعد الأمر ، على وجهين : أحدهما بأن يتناول نفس ما تناوله الأمر فيدل على البداء ، والآخر : بأن يتناول غيره فلا يدل على البداء ؛ فجوّز أن يرد النهى من حكم ، فتعلم بحكمته أنه واقع على الوجه « 1 » الّذي يصح عليه ، دون الوجه الّذي لا يصح عليه ، لأن هذا هو الواجب في خطاب الحكيم ، ومتى جوز ذلك لزمه أن يصرف النهى إلى الوجه الّذي نقوله ؛ ويبقى الكلام بيننا وبينه في أن هذا النهى ورد أم لم يرد ، فإذا بينا له وروده بإثبات نبوّة محمد صلى اللّه عليه ، فقد صح ما أردناه في هذا الباب . فإن قال : إذا كان ظاهر الأمر المتقدّم استغراق الأوقات لم أجوّز في النهى ما ذكرتم ! قيل له : أليس ظاهر القول إذا صح فيه الاحتمال كظاهر الفعل ، أفليس آلام البهائم ، وإن كان ظاهرها كأنها قبيحة ، فوقوعها من حكيم أوجب على العقلاء صرف ذلك إلى الوجه الّذي يحسن عليه ، من حيث صدرت عن حكيم ، فلا بدّ من نعم .
--> ( 1 ) في ص « الوجهين » .